الجمعة 29 شوال 1447 هـ || الموافق 17 أبريل 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مواعظ من القلب    ||    عدد المشاهدات: 345

لقد طار إلى الجنة (هاؤم اقرأوا كتابيه)
ضمن سلسلة مواعظ من القلب (42)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


تصور أن يوم القيامة قامت، وأن الأرض التي عشت فوقها عمرا طويلا قد زلزلت، وأن الجبال التي طالما رأيتها شامخة قد سيرت، وأن السماء التي نظرت إليها مرارا قد انشقت، وأن الشمس (وهي غير شمس الدنيا التي كورت) قد أدنيت من الرؤوس، وأن الخلق كلهم قد أحيوا من قبورهم، حفاة عراة غرلا، ينساقون إلى موقف رهيب لا يشبه شيئا في الدنيا.

الناس في زحام شديد، والأب لا ينظر إلى ابنه، والأم لا تبحث عن وليدها، والأنفاس تتلاحق، والعرق يتصبب، والقلوب ترتجف، الكل ينتظر كلمة واحدة من رب العالمين.

وفي وسط ذلك الهول، وبين وجوه شاحبة وعيون دامعة، ترى وجها مشرقا بالنور، إنه وجه عبد مؤمن عاش حياته لله، قلبه معلق بالصلاة، ولسانه رطب بذكر الله، ويده مبسوطة للخير، ودموعه تنزل سرا بينه وبين مولاه.

تأتيه الملائكة لم ير مثلها قط، وتقول له: خذ كتابك بيمينك، فيمد يده، ويأخذ كتابه المليء بصلاة في جوف الليل، وصدقة في السر، ودموع ندم يوم أن تاب، وكلمة حق قالها لله، وصبر على البلاء.

فلا يتمالك نفسه من الفرح، ويرفع صوته عاليا أمام الخلائق جميعا: (هاؤم اقرأوا كتابيه، إني ظننت أني ملاق حسابيه، فهو في عيشة راضية، في جنة عالية).

الذين يعرفونه لسان حالهم أو مقالهم يقول: هذا الذي كان في الدنيا مجهولا بين الناس، لكنه كان معروفا عند الله، هذا الذي ربما لم يلتفت إليه أحد، لكنه كان قريبا من ربه، هذا الذي جمع حسناته في السر حتى أثقلت ميزانه في العلن.

ثم تمضي به الملائكة بين صفوف الخلائق، والأنوار تحفه من كل جانب، وتعبر به الصراط كما ثبت في السنة، حتى يصل إلى باب الجنة، ومعه من معه من أمثاله، فيؤذن لرسول الله، وهو أول من يفتح له الباب، وأول من يدخلها، ثم يدخل أهل الجنة جماعات متتالية، يسبقهم النبي صلى الله عليه وسلم، فيقال لأهل الجنة: (سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين)، (كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية).

فينطلق قلبه قبل قدميه، ويرى الأنهار تجري، والأشجار تظلل، والقصور شامخة، والحور تنتظر، وأعظم من ذلك كله، أن يؤذن له بالنظر إلى وجه الله الكريم، ففي الصحيحين يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته)، وبمجرد رؤيته سبحانه يزول كل تعب، وينسى كل ألم، ويقول المؤمن: (الحمد لله الذي صدقنا وعده، وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين).

 فاملأ صفحاتك من الأعمال الصالحة من الآن، ولا تجعل يومك يخلو من ذكر أو صلاة أو صدقة أو إحسان، وكن ممن قال الله فيهم: (فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا، وينقلب إلى أهله مسرورا).

اللهم اجعلنا من أهل اليمين، وأظلنا تحت عرشك، وبشرنا يوم لقائك بقولك: (ادخلوها بسلام آمنين).




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام