الجمعة 29 شوال 1447 هـ || الموافق 17 أبريل 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مواعظ من القلب    ||    عدد المشاهدات: 310

يوم تنفد الحسنات، وتبقى الخصومات
ضمن سلسلة مواعظ من القلب (41)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


تخيل أنك بعثت من قبرك، وحشرت إلى عرصات يوم القيامة، والخلق كلهم في صمت ثقيل، ينتظرون أن يبدأ الحساب، ثم فجأة، ينادى باسمك، فيتفرق الجميع، وتجد نفسك واقفا بين يدي الملك الجبار، لا يخفى عليه شيء من أمرك، والملائكة قد نشرت صحيفة عملك: صلواتك، صيامك، صدقاتك، وكل ما عملته من حسنات، لكن هناك أيضا صفحات مظلمة: غيبة، نميمة، ظلم، بهتان، استهزاء، أخذ حقوق، كلمة أوجعت قلب مسلم، لعن، سب، ونحوها من الذنوب.

وفجأة، ترى أمامك صفوفا من الناس:

ذاك الرجل الذي اغتبته في مجلس أصدقاء.

وتلك المرأة التي سخرت من هيئتها.

وذاك الذي أكلت ماله أو بخسته حقه.

وذاك الذي رميته بكلمة جرحته ولم تعتذر.

وذاك كذا، وهكذا خصماء كثيرون، وربما كانوا من دول ومدن كثيرة جدا أسأت إليهم من خلال منصات التواصل الاجتماعي، أو عبر وسائل اخرى.

حتى من ظننت أنه نسي، تراه واقفا ينتظر نصيبه من حسناتك.

أحد الملائكة يقترب منك في مشهد مهيب، ليأخذ من رصيد صلواتك ليعطيه لهذا، ومن صيامك ليعطي ذاك، ومن صدقاتك ليعطي آخر، ترى جبال الحسنات التي تعبت في جمعها تتناقص، وأنت عاجز عن الاعتراض، لأن الحكم لله.

ثم تقع الكارثة: الحسنات انتهت!

لكن الخصوم لم ينتهوا، فيؤمر أن يؤخذ من سيئاتهم، فتحمل على ظهرك، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: (أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار).

الآن انظر إلى نهاية الطريق: النار أمامك، وأنت تعرف تماما أن هذه الساعات التي تقضيها فيها لم تكن إلا ثمن كلمة قلتها باستهزاء، أو غيبة شاركت بها لتضحك الآخرين، أو ظلم ظننته بسيطا.

ولو كنت في الدنيا، لكفى أن تقول كلمة: سامحني، أو ترد الحق لصاحبه، فيُمحى كل هذا المشهد من صحيفتك.

قال الله تعالى: (وحيل بينهم وبين ما يشتهون).

وفي المقابل، تخيل لو أنك أتيت يوم القيامة، وليس لك خصم واحد!

كل الناس تدعو لك، وتذكرك بخير، فتجد صحيفتك ناصعة، وحسناتك كاملة، ووزنك ثقيلا في الميزان، ثم تزف إلى الجنة بلا توقف في طابور القصاص.

هذه هي التجارة الرابحة: أن تقلل عدد خصومك اليوم، قبل أن يزدحموا غدا، فتخسر في لحظة ما بنيته في العمر كله.

اللهم سلم صحائفنا من مظالم العباد، ونجنا من خصومات يوم القيامة، واغفر لنا ولمن ظلمناه، وردّ المظالم عنا برحمتك يا أرحم الراحمين.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام