الجمعة 29 شوال 1447 هـ || الموافق 17 أبريل 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مواعظ من القلب    ||    عدد المشاهدات: 349

يا ليتني لم أوت كتابيه
ضمن سلسلة مواعظ من القلب (43)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


الموقف المهيب، الخلق كلهم واقفون، والأنفاس محبوسة، والعرق يتصبب، والملائكة تنتظر أمر الله: اقرأ كتابك.

هذه المرة، ليس وجها مشرقا بالنور، بل وجه مسود من الخزي، وعينان لا تجرؤان على رفع النظر، وقلب يرتجف كأوراق الخريف.

هذا عبد عاش للدنيا، باع آخرته بعرض زائل، ضيع الصلاة، وأكل الحرام، وتجرأ على حدود الله، وحارب سنة رسول الله، وسخر من العلماء والصالحين، لم يتب ولم يندم، حتى مات، وجاء يوم الحساب.

تقدم له صحيفة أعماله، لكنها ليست بيضاء، بل سوداء، تفوح منها رائحة المعصية والذنوب، مكتوب فيها كل كلمة كذب قالها، وكل نظرة حرام نظرها، وكل صلاة ضيعها، وكل مال حرام جمعه، وكل مظلمة أكلها، وكل قول أو فعل عصى الله فيه.

تمد الملائكة الكتاب، لكنه لا يعطى في يمينه، بل في شماله، أو من وراء ظهره، فتزداد رجفته، ويسمع صوته يتقطع حسرة: (يا ليتني لم أوت كتابيه، ولم أدر ما حسابيه، يا ليتها كانت القاضية، ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه).

لا مال نفعه، ولا جاه أنقذه، ولا أصحاب وقفوا معه، الكل مشغول بنفسه، والملائكة الغلاظ الشداد يأخذونه من بين الخلائق، يسوقونه إلى جهنم سوقا، فيطرح في قعرها بلا رحمة، وتغلق عليه أبوابها، ويقال له: (خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه).

هناك: حيث لا موت فيريح، ولا حياة تفرح، طعامه من شجر الزقوم، وشرابه من حميم يغلي في البطون، والنار تحيط به من كل جانب، والعذاب لا ينقطع، والصرخات لا تسمع إلا من مثله.

يا عبد الله: إن كنت لا تريد أن تقولها يوم القيامة: (يا ليتني لم أوت كتابيه)، فعجل وتب إلى الله، وأصلح ما بقي من عمرك، واحذر من صحيفتك أن تمتلئ بما يسود وجهك أمام الله، ولا تغتر بصحتك ومالك وشبابك، فإنك إلى زوال، والموعد هناك، حيث لا ينفع ندم.

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل)، وكان ابن عمر يقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك).

أخرجه البخاري في صحيحه.

فالبدار البدار، فإنه سيأتي يوم يقال فيه لكل واحد منا: اقرأ كتابك، فاختر من الآن: أتحب أن تقول: (هاؤم اقرأوا كتابيه)، أم تندم وتقول: (يا ليتني لم أوت كتابيه)؟

اللهم اجعل صحائفنا بيضاء، ووجوهنا ناضرة، وألسنتنا يوم القيامة تقول: (هاؤم اقرأوا كتابيه)، ولا تجعلنا من النادمين القائلين: (يا ليتني لم أوت كتابيه).




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام