الجمعة 29 شوال 1447 هـ || الموافق 17 أبريل 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مواعظ من القلب    ||    عدد المشاهدات: 387

الموقف الذي لا مفر منه


فجأة، ينفخ في الصور، فتقوم من قبرك فزعا، عاريا، حافيا، شاخصا ببصرك، لا تدري ما يحدث، تنظر من حولك، فإذا الأرض قد تبدلت، والسماء قد انشقت، والجبال قد نسفت، والنجوم انكدرت، والشمس قد زال ضوؤها وسحبت من السماء، فلم يبق في الكون نور، ولا شمس، ولا قمر، ولا نجوم.

كل شيء مألوف قد زال، ولا ترى إلا الخلائق تزحف من القبور، وجوه بيضاء ناضرة، وأخرى سوداء باسرة، وتسمع: صرخات، بكاء، رجفات.

أم تبحث عن ابنها، ثم فجأة تهرب منه، وأب يرى ولده، فيشيح عنه، كل إنسان يقول: نفسي نفسي، حتى الأنبياء إلا نبيك محمدا صلى الله عليه وسلم يقف وحده، والخلائق تنظر إليه، وهو يقول: (أمتي أمتي).

تقرب الشمس حتى تصير فوق رؤوس العباد بمقدار ميل، فيغرق الناس في عرقهم: منهم من يبلغ العرق ركبتيه، ومنهم من يبلغ صدره، ومنهم من يلجمه إلجاما، ثم ترى الزلزلة الحقيقية: الجبال تتحول إلى غبار، والسماء تطوى كالسجل والوحوش تجمع، والبحار تفور وتفجر نارا، والأرض تميد كالسفينة في عاصفة.

وتحشر الخلائق في ساحة واحدة، لا ظل فيها، إلا ظل واحد: هو ظل عرش الرحمن.

ثم يعلو النداء: (ووضِع الكتاب)، وتسلم صحيفتك، ذاك السجل الذي كتب فيه كل أعمالك صالحة كانت أو سيئة، تنظر في الكتاب، فتقول بذهول: (يا ويلتنا ما لهذا الكتاب، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ووجدوا ما عملوا حاضرا، ولا يظلم ربك أحدا).

ثم تنصب الموازين، فترى الحسنات توزن، والسيئات تقابلها، فإذا بك تبحث عن ركعة صادقة، عن استغفار في ظلمة الليل، تبحث عن حسنة واحدة ترجح الكفة، ثم يؤتى بالصراط، جسر منصوب على نار جهنم، دقيق كالشعرة، حاد كالسيف، يمر الناس عليه بقدر أعمالهم، منهم من يمر كالبرق

ومنهم من يزحف، ومنهم من يسقط في النار، فيخطف كما تخطف الطير، وتسمع الكلمات التي تفصل المصير: (فريق في الجنة، وفريق في السعير).

هناك تضحك الوجوه الناضرة

وهناك تبكي الوجوه المظلمة بكاء لا يسكنه شيء، لا رجوع بعدها، ولا فرصة للتدارك، ولا مهرب من القضاء.

هنا، ينكشف الغطاء، وتسدل ستارة الدنيا، ويعرف الحق من الباطل، ويعرف المحسن من المسيء.

فقل لي بربك: هل أعددت لهذا اليوم زادا؟ وهل كنت تهيئ نفسك للعرض الأكبر؟

وهل كنت تنقي قلبك بالتوبة، وتطهر صحيفتك بالعمل الصالح، وتعد خطواتك نحو الصراط بخوف؟

لا تؤجل التوبة، لا تسوف الإنابة، لا تجعل الموت هو المفاجأة، بل اجعل كل صلاة كأنها الأخيرة، وكل دعاء كأنك في عرصات القيامة.

(فمن زحزح عن النار، وأدخل الجنة، فقد فاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور).

اللهم اجعلنا من الفائزين

اللهم لا تفضحنا يوم تعرض الصحف، اللهم ثبتنا عند الصراط، اللهم بيض وجوهنا يوم تسود وجوه المجرمين، ولا تحرمنا من رؤية وجهك الكريم في جنتك يا أرحم الراحمين.

الدكتور صادق بن محمد البيضاني




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام