داء الحسد وعلاجه
ضمن سلسلة مواعظ من القلب (45)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الحسد ليس شعورا عابرا، بل جرح خفي في الروح، ينزف بصمت، حتى يفسد كل شيء حوله.
هو مرض يبدأ من نظرة، ثم يترسخ في القلب، حتى يصبح كالدخان الذي يملأ الصدر، فلا ترى النور ولو كان قريبا.
قال الله تعالى: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله).
هذه الآية سؤال يعري الحاسد أمام نفسه: كيف تضيق روحك بعطاء لم يكن لك من أصله، ولم ينتزع منك؟
الفضل من الله، والله لم يظلمك، لكنه وزع بحكمة، قد ترى ظاهرها ولا تدرك باطنها.
الحسد ليس عجزا عن احتمال ما عند الآخرين فقط، بل هو في حقيقته اعتراض على قضاء الله.
هكذا الحاسد، ينهار قلبه من الداخل، وتهوي حسناته في يد من يكرههم، ولا يريد لهم خيرا.
إنك — بالحسد — قد تعيش عمرك كله غريبا عن السكينة، تبيت ساخطا على ما ليس لك، وتستيقظ مثقلا بغصة، تبحث في عيون الناس عن ما يزيد المك، وتتناسى أن النعمة التي تراها عند غيرك قد تكون ابتلاء له، وقد تكون مصيدته.
الحسد يسلبك جمال الرضا، ولذة الدعاء، وطمأنينة القلب. يجعل قلبك مسكونا بالغيظ، وعينك غائمة، فلا ترى الخير إلا إذا زال عن غيرك، حتى وإن لم يأت إليك.
وفي يوم القيامة سيقف من حسدتهم، يتقدمونك إلى الجنة بحسناتهم التي كانت لك، بينما قد تقف أنت بيدين فارغتين، لان قلبك لم يكن سليما.
قال الله عن أهل الجنة: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين).
فالقلب المليء بالحسد لا مكان له هناك، إلا بعد أن يطهر بالنار أو المغفرة.
الدواء ليس معقدا، لكنه يحتاج شجاعة: أن تعترف بداء قلبك، وتتوب إلى الله، وأن تردد كلما رأيت نعمة عند غيرك: اللهم بارك له، وارزقني من فضلك، أو نحو ذلك من الألفاظ، أو أنك لا تحسد أحدا، وأن تدرك أن كل فضل عند الناس ظل زائل، والنعيم الحق هناك، حيث لا حسد ولا حرمان.
الحسد الذي بمعنى الغبطة جائز، والغبطة؛ أن تتمنى مثل ما أعطي غيرك من الخير دون أن تزول النعمة عنه.
أخرج الشيخان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها).
اللهم اكفنا شر الحاسدين، واحفظنا بحفظك، واجعلنا في حصنك الذي لا يرام.