والعاقبة للمتقين
ضمن سلسلة مواعظ من القلب (47)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
تمضي الدنيا كظل يمشي إلى زوال، تتبدل وجوهها، وتتعاقب لياليها، ويظن الظالم أن ملكه باق، وأن جبروته لا يزول، لكن سنن الله لا تحابي أحدا، والتاريخ يروي بلسان الصدق أن النهاية ليست لمن غلب في ساحة المعركة، بل لمن ثبت قلبه على الحق، ولو كان وحيدا.
في لحظات الظلم، حين يعلو صوت الباطل، يطمئن الله قلوب عباده بهذه الكلمة: (والعاقبة للمتقين).
ليست العاقبة للأقوى جسدا، ولا للأغنى مالا، ولا للأمكر حيلة، وإنما لمن خاف الله في السر والعلن، وحفظ قلبه من الدنس، ولسانه من البغي، ويده من الحرام.
كم من جبابرة مروا على الأرض، رفعوا القصور فوق القصور، وادعوا الخلود، ثم طويت صفحاتهم، وصاروا عبرة في بطون الكتب.
وكم من ضعفاء في أعين الناس، أكرمهم الله بالثبات، فصار ذكرهم دعاء على الألسنة. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد).
التقوى ليست كلمات تقال، بل
التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله.
التقوى خوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل، كما جاء عن طلق بن حبيب رحمه الله.
التقوى صبر طويل في طريق محفوف بالفتن.
وربما يراك الناس ساكتا، وأنت في الحقيقة ترفع شكواك إلى السماء، متيقنا أن وعد الله حق، وأن مآل الطريق مهما طال إلى بستان الأمان.
في ظلال هذه الكلمة، تذكر نوحا عليه السلام حين سخر منه قومه قرونا، فلم يزل صابرا حتى جاء الطوفان ونجاه الله.
وتذكر يوسف عليه السلام، حين أهين وسجن، ثم أخرجه الله ليملك خزائن الأرض.
إنهم أحياء في قصصهم، يقولون لكل قلب منكسر: اصبر، فالنهاية ليست هنا.
والعاقبة للمتقين، كلمة تكفي أن تمسح دمع الخائف، وأن تكسر كبرياء الظالم، وأن تزرع في قلبك يقينا بأنك إذا حفظت عهد الله، حفظ الله لك عاقبتك، وإن تقطعت بك السبل.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند الترمذي: (من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة).
فاثبت، فإن كل جرح يضمد، وكل ظالم يقصم، وكل دمعة في سبيل الله تثمر بستانا في الجنة، فالعاقبة ليست إلا لك إن كنت من المتقين.