حين تموت القلوب، تموت معها الأخوة
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
يا حسرة القلب حين تموت الأخوة، وتدفن في مقابر الدنيا قبل الآخرة، حينها تنكسر القلوب، وتتمزق الأرواح، لا بسيف عدو، بل بخذلان قريب أو صديق أو أخ في الله!
عندما تغيب الأخوة الإسلامية، لا تغيب العاطفة وحدها، بل يغيب معها الدين، والرحمة، والعدل، والمواساة.
إن الأخوة في الله ليست ترفا خلقيا، بل فريضة شرعية، وركن من أركان الولاء.
جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
فأين هذا الحب اليوم؟، وأين من يبكي لبكائك، ويجوع لجوعك، ويدعو لك في غيابك؟ لقد أصبحت القلوب كالحجارة، بل أشد قسوة.
أصبحنا نرى الظلم فلا ننصر، والوجع فلا نواسي، والضياع فلا نهتم، حتى التحية صارت ثقيلة، والدعاء غريبا، والزيارة تنسى، والحقوق تهدر.
إن غياب الأخوة هو أول شرارة لانهيار الأمة.
قال الله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة).
هذه الآية تلزم وتفرض، وتصف حقيقة ثابتة لا خيار فيها.
فلما انكسرت هذه الأخوة، انكسر جسد الأمة كله، وأصبحت كالجسد المقطع، لا يشعر بعضه ببعض، وفي الصحيحين، واللفظ لمسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
لكننا لم نعد نتداعى، بل نتناسى، نتخلى، بل نشارك في الوجع ونزيده أحيانا!
كم من مظلوم بكى، فما وجد من يأخذ بيده، وكم من مسكين سقط، فما رأى أحدا يرفعه، وكم من مكروب ضاق به الحال، فلم يسمع من يقول: أنا أخوك.
أي قسوة هذه التي جعلت الأخ يعادي أخاه؟ وأي قسوة هذه التي جعلت قلوبنا لا تتحرك لجراح بعضنا؟ أين أنتم من قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين، واللفظ لمسلم: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره).
بل أين أنتم من دعاء المظلوم؟ ففي صحيح البخاري يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (واتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب).
فيا من هجرت أخاك في الله: اعلم أن الهجر فوق ثلاث لأمر دنيوي ظلم وحرام، وأن القلوب لا تمحى منها الأحقاد إلا بالتسامح والتصافح.
ويا من نسيت حق أخيك:
اعلم أنك نسيت حق الإسلام.
إنها ليست علاقة عابرة، إنها رابطة دين ودم وروح، جمعتها العقيدة قبل النسب، والإيمان قبل الاسم.
تذكر يوما تقف فيه بين يدي الله، فتقول: يا رب، ظلمني فلان، أو خذلني علان، فيقال لك: أين كنت أنت يوم خذلته؟!
تذكر يوما تعرض فيه صحائف الأعمال، فترى غلظة قلبك، وجفاءك، وقسوتك، فتندم حين لا ينفع الندم.
اللهم يا من ألفت بين قلوب المؤمنين، ألف بين قلوبنا، وازرع فيها الرحمة، وانزع الغل والحقد والحسد منها.
اللهم ردنا إلى أخوتنا ردا جميلا، وأحينا على المحبة، وأمتنا على الصفاء، ولا تجعل في صدورنا غلا للذين آمنوا، إنك رؤوف رحيم.