المعصية التي سرقت سعادتك
الذنب ليس لحظة ضعف عابرة، بل هو سهم مسموم يخترق القلب، ويمزق صفاء الروح، ويغضب الجبار جل جلاله.
المعصية نار خفية تشتعل في صدرك، تطفئ نور قلبك، وتكسو وجهك وحشة، وتسرق من روحك الطمأنينة، ومن عبادتك لذتها، ومن دعائك أثره.
قال الله تعالى: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون.
فما الذنب إلا غشاء يتراكم على القلب حتى يعميه عن النور.
المعصية أول الطريق إلى التيه، تخطوها مرة، ثم تألفها، ثم تحبها، ثم تغلف قلبك حتى يظلم، وتجد نفسك بعيدا عن الله، مهما حاولت أن تقترب.
كم من ذنب منع عنك سجدة في جوف الليل، وكم من نظرة أغلقت دونك أبواب السماء، وكم من كلمة كتبت لك ظلمة في القبر، وكم من ذنب صغير استصغرته، فأنبت في قلبك شوكا يمزقه كلما أردت طاعة.
ثبت عند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون.
المعصية لا تترك أثرها في صحيفة أعمالك فقط، بل فيك أنت؛ فهي تمسح من قلبك الحياء، وتمنع دمع العين، وتغلق باب المناجاة، وتطفئ حرارة الشوق إلى الله، وتقطع عنك طريق التوفيق، وتقربك من أهل الغفلة، وتبعدك عن أهل النور.
أما علمت أن الله يراك؟
قال تعالى: ألم يعلم بأن الله يرى.
أتستصعب أن تغلق شاشة، أو تمسك لسانا، أو تغض طرفا، وأنت تعلم أن الله لا يغفل؟ أما تخاف أن يأتيك الموت على تلك المعصية، وأنت تبارز بها الله الذي يمهلك في كل يوم؟
أخرج مسلم في صحيحه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يبعث كل عبد على ما مات عليه.
فيا ويل من مات على أغنية، أو على مخادعة، أو على كبيرة أصر عليها.
يا من تلذذت بمعصية ساعة، أما علمت أن نارا توقد بسببها ألف عام؟ أما علمت أن لحظة غفلتك قد تمحو سنين من الهداية؟ أما علمت أن أثر الذنب قد يغلق عنك أبواب البر، ويقودك من حيث لا تشعر إلى دركات من الوحشة؟
قال الله تعالى: فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم.
إن الله قد يمهلك، لكنه لا يهمل، فكم من شاب ضحك، فمات على ذنبه، وكم من فتاة فتنت بجمالها، فقبضت وهي تغني، وكم من تاجر شح بزكاته، فمات في ساعة حساب، وترك ماله لمن فرح بموته.
فابك ذنبك، قبل أن تندم ولا ينفع الندم، وارجع إلى الله قبل أن يغلق الباب، وتكتب في ديوان الغافلين. فإن أهل القبور، لو خيروا، ما طلبوا مالا ولا جاها، بل لحظة توبة، أو دمعة خشية، أو سجدة لا تنقطع.
قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس.
لا تغتر بحلم الله، فالعقوبة قد تأتيك وأنت تضحك، وقد يغلق باب التوبة وأنت تؤجل.
الدكتور صادق بن محمد البيضاني