الجمعة 29 شوال 1447 هـ || الموافق 17 أبريل 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مواعظ من القلب    ||    عدد المشاهدات: 446

ما أحقر الدنيا!!

ضمن سلسلة مواعظ من القلب (55)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


لو رأيت الدنيا على حقيقتها لرأيتها أهون من جناح بعوضة، كما ثبت ذلك عند الترمذي وغيره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء).

الدنيا مهما تزينت وتجملت، فهي ظل زائل، وعمر قصير، ولذة تعقبها حسرة، وصحة يعقبها مرض، وشباب يذوي، ومال يفنى، وجاه يزول.

قال الله تعالى: (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور).

وقال سبحانه: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد).

أخرج الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، وكان ابن عمر رضي الله عنه يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.

وأخرج مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم اصبعه في اليم فلينظر بم يرجع).

وذكر ابن حجر في هداية الرواة (5/23) ووصله غيره عن علي رضي الله عنه قال: (ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل).

الدنيا لا تساوي أن تبيع لأجلها دينك، أو تضيع بسببها صلاتك، أو تفرط من أجلها في اخرة أبدية.

تذكر إذا وضعت في لحدك، وذهب عنك المال والولد، ولم يبق معك إلا عملك، هنالك ترى كم كانت الدنيا حقيرة. إنها أحلام، واليقظة هناك في الدار الآخرة.

ثبت عند الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما لي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها).

وروى الحافظ ابن عساكر في تاريخه كما في المختصر (1/378): أن أحمد بن عمار الأسدي قال: خرجنا مع أحد المعلمين الصالحين في جنازة ومعه جماعة من أصحابه، فرأى في طريقه كلابا مجتمعة بعضها يلعب مع بعض، ويتمَرغ عليه ويلحسه، فالتفت إلى أصحابه فقال: انظروا إلى هذه الكلاب ما أحسن أخلاق بعضها مع بعض.

قال: ثم عدنا من الجنازة، وقد طرحت جيفة وتلك الكلاب مجتمعة عليها، وهي تهارش بعضها البعض، ويخطف هذا من هذا، ويعوي عليه، وهي تتقاتل على الجيفة.

فالتفت المعلم إلى أصحابه فقال لهم: هل رأيتم يا أصحابي متى لم تكن الدنيا بينكم فأنتم إخوان، ومتى ما وقعت الدنيا بينكم تهارشتم عليها تهارش الكلاب على الجيفة.

انظر يا أخي إلى من سبقوك كيف تركوا ما جمعوا، ورحلوا عن دور شيدوها، وأموال كنزوها، وولدان أحبوهم، فما نفعهم إلا ما قدموا من عمل صالح.

أين الملوك الذين حكموا وساسوا، أين الجبابرة الذين قهروا الناس بقوتهم، أين أهل الغنى والجاه، ذهبوا وبقيت أعمالهم، لا فرق بينهم وبين أفقر فقير إذا دخلوا قبورهم.

قال الله تعالى: (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام).

وقال سبحانه: (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون).

تأمل القبر، ضيق وظلمة ووحشة، لا مال ولا أهل ولا منصب، وإنما هي صحيفة أعمالك، فإن كانت بيضاء أكرمك الله وفسح لك في قبرك، وإن كانت سوداء ضاقت عليك الأرض بما رحبت.

بادر أيها الحبيب قبل الفوت، وتزود من دنياك لآخرتك، وكن كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنه عند الحاكم وغيره: (اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك).

الدنيا ساعة فاجعلها طاعة، والأنفاس معدودة، والرحيل قريب، ومن عرف أن الموت غايته لم يركن إلى دار فانية، بل شد رحله إلى دار باقية.

فالله الله في عمرك، لا يذهب هباء، ولا ينقضي في اللهو والباطل، واذكر أنك غدا بين يدي الله موقوف، وعن كل لحظة مسؤول، فاختر لنفسك مقعدا في الجنة، ولا ترض لها بغير جوار الله ورضوانه.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام