الأربعاء 26 ذو القعدة 1447 هـ || الموافق 13 ماي 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مقالات متنوعة    ||    عدد المشاهدات: 780

مؤشرات أفول الكيان الصهيوني: بين سنن التاريخ وتحولات السياسة الراهنة

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


منذ أكثر من سبعين عاما، يعيش الكيان الصهيوني في وهم التفوق الأبدي، وحماية الغرب المطلقة.

لكنه اليوم يواجه مشهدا مختلفا تماما، حيث تتقاطع الوقائع على الأرض مع سنن التاريخ، في مشهد قد يحمل نذر النهاية أو على الأقل بداية العد التنازلي لدولة بني صهيون.

ففي تونس، اجتمع المئات من الناشطين من أربع وأربعين دولة: مسلمون ويهود ونصارى، أطباء وأكاديميون وصحفيون وبرلمانيون وممثلون.

أكثر من أربعين سفينة تستعد للإبحار إلى غزة لكسر الحصار، في مشهد يذكر بملحمة (مافي مرمرة).

لكن ردة الفعل كانت متوترة: حيث قصفت بالأمس أكبر سفينة في الأسطول بطائرة مسيرة مجهولة المصدر، والاتهامات تتجه لدولة بني صهيون.

إنهم يخافون من مجرد صورة أو صوت، لأنهم يدركون أن معركة الوعي أخطر عليهم من معركة السلاح.

وهذا وحده مؤشر ضعف، لا قوة.

وفي خطوة غير مسبوقة، أعلنت إسبانيا: منع بيع السلاح لإسرائيل، ومنع دخول مجرمي الحرب، وتقليص التبادل التجاري والدبلوماسي، والاعتراف بدولة فلسطين.

ولم تقف عند هذا الحد، بل قررت المضي قدما بإطلاق تسعة إجراءات إضافية على الفور لوقف الإبادة الجماعية في غزة ومقاضاة مرتكبيها ودعم الشعب الفلسطيني، من أبرزها:

حظر دائم لبيع وشراء السلاح والذخيرة مع إسرائيل، منع مرور السفن والطائرات المحملة بالوقود أو المعدات العسكرية إليها عبر الموانئ والمجال الجوي الإسباني، منع دخول المتورطين في جرائم الحرب إلى الأراضي الإسبانية، حظر استيراد منتجات المستوطنات غير الشرعية، تقليص الخدمات القنصلية لمواطنيها المقيمين فيها، تعزيز دعم السلطة الفلسطينية، زيادة المساهمة في الأونروا بعشرة ملايين يورو إضافية، ورفع المساعدات المخصصة لغزة لتصل إلى مئة وخمسين مليون يورو في عام 2026م.

هذه ليست مجرد رمزية سياسية، بل بداية شرخ في جدار الحماية الغربية. والأخطر أن أكثر من عشر دول أوروبية تستعد خلال أكتوبر للاعتراف بدولة فلسطين.

إن الشرعية الدولية التي طالما احتمى بها الكيان بدأت تتآكل من الداخل.

وفي هولندا وبلجيكا وإيرلندا وإيطاليا، استقالات متتالية ودعم برلماني للفلسطينيين. الشارع الغربي لم يتوقف عن التظاهر منذ شهور، لكن الإعلام الغربي يتعمد التعتيم. ومع ذلك، البركان الشعبي يتشكل تحت الرماد.

وهذه سنة الله: الشعوب لا تصمت إلى الأبد.

ومن بوليفيا ونيكاراغوا وكولومبيا، إلى تركيا وجنوب إفريقيا، دول أعلنت القطيعة أو علقت العلاقات.

ليست هذه مجرد دول صغيرة، بل جزء من الجنوب العالمي الصاعد الذي يرفض أن يبقى أسيرا لهيمنة غربية منحازة لدولة بني صهيون.

حتى الحوثيون - الذين وقعوا اتفاق تهدئة مع تل أبيب - عادوا بالأمس ليضربوا دولة بني صهيون بمسيرات.

وكأن فلسطين تتجاوز الحسابات والتحالفات، وتبقى قضيتها حاضرة رغم كل التناقضات.

إنها رسالة: أن القدس لا تختزل في محور أو جماعة، بل هي بوصلة الأمة كلها.

قال الله تعالى: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا).

التاريخ يعلمنا أن الطغيان يبلغ ذروته قبل الانهيار. فرعون لم يغرق إلا بعدما قال: (أنا ربكم الأعلى). والاتحاد السوفيتي لم يسقط إلا بعدما بلغ ذروة جبروته.

واليوم دولة بني صهيون تضرب في كل اتجاه: في لبنان، في سوريا، في العراق، في إيران، في قطر، في تونس، في اليمن، في غزة، لأنها تعرف أن الزمن يعمل ضدها.

وهنا قراءة استراتيجية لا بد من الوقوف عليها، تتلخص في ثلاثة محاور:

المحور الأول قصير المدى: استمرار سياسة الاغتيالات والقصف سيزيد عزلتها، ويغذي المظاهرات عالميا ضدها.

المحور الثاني متوسط المدى: الاعتراف الأوروبي المتنامي بفلسطين قد يفتح الباب لمحاكمات دولية ضد قادتها.

المحور الثالث بعيد المدى: إذا تزامن الضغط الخارجي مع صمود فصائل المقاومة الداخلية رغم الحصار والقصف الإجرامي والتوسع الصهيوني فالمشروع الصهيوني سيدخل فعلا طور التآكل.

إنها بداية النهاية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود).

هذا الحديث لا يقرأ بعين الغيب فقط، بل بسنن التاريخ: كل كيان ظالم محتل كتب الله عليه الزوال.

والإشارات اليوم تتجمع لتقول إن هذا الكيان لم يعد منيعا، وإن زمن السقوط أقرب مما يظن.

إن الأحداث الأخيرة ليست عابرة: أسطول دولي ينطلق من تونس، وأوروبا تعترف بفلسطين، ودول تقطع العلاقات، ومظاهرات غربية لا تتوقف، وعجز إسرائيلي متزايد، هذه كلها ليست خطوطا منفصلة، بل خيوط لوحة واحدة ترسم ملامح عالم جديد.

قد لا تكون النهاية غدا أو بعد غد، لكن مسار التاريخ واضح: الأمة التي تنام قد تتأخر، لكنها لا تموت.

والكيان الذي يقام على الظلم قد يستمر، لكنه لا يخلد.

قال تعالى: (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز).

حرر عشية الأربعاء بتاريخ 17 ربيع الأول لعام 1447 هجرية.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام