الجمعة 8 شوال 1447 هـ || الموافق 27 مارس 2026 م


قائمة الأقسام   ||    كيف تحاور من ينكر أحاديث السنة الصحيحة    ||    عدد المشاهدات: 204

كيف تحاور من ينكر أحاديث السنة الصحيحة (4)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني

بين يدي الحوار


لفت نظري من خلال المقالات الثلاثة السابقة بعض التعليقات التي تحتاج إلى جواب، وأكتفي باثنين منها لأهميتهما:

أولًا: بعضهم التبس عليه التفريق بين السنة التي ينكرها الرافضة والمتكلمون والفلاسفة والمستشرقون ومن نحا نحوهم، وبين السنة التي قال الله عنها:

"سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا".

والجواب: أن السنة التي ندافع عنها هي: كل ما أُضيف إلى النبي عليه الصلاة والسلام من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلقية (يعني تتعلق بصفة جسده الشريف) أو خُلقية (يعني تتعلق بأخلاقه الفاضلة) مما ثبت في صحيح السنة.

وهذا النوع يسمى بأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام المتصلة السند التي نقلها الرواة الثقات الصالحون الأمناء الورعون الحفاظ "العدول الضابطون" عن مثلهم إلى منتهاه من غير شذوذ أو علّة قادحة، وهذه الأحاديث تشمل الأحكام الفقهية، وأسباب نزول الآيات، وتفسير كثير منها، كما تشمل دعوته وطريقته وسيرته عليه الصلاة والسلام.

وأما قوله تعالى: "سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا"

فهذه تُسمى سنة الله الكونية، بمعنى عادته وطريقته في الأمم السابقة التي حاربت الله ورسله، وذلك بإهلاكهم والانتقام منهم نظير ما بدر منهم من المنكرات والمعاصي، وهذا النوع لا يتعلق بالأحكام الشرعية المطلوبة من العبد، وإنما يتعلق بعقاب الله لكل من حارب شرعه، وفي الآية تحذير لهذا الصنف ووعيد.

ولن تجد - أيها النبي - لطريقة الله تحويلاً ولا تغييرًا عما كان عادةً لله في مثل هؤلاء المحاربين.

وعلى منكري الأحاديث الصحيحة أن يحذروا هذا العقاب الأليم، فإن إنكارها حربٌ لله ورسوله.

ثانيًا: عندما نتكلم عن أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام وسننه الصحيحة نجد بعضهم يقول: هذه سنة آل سعود، أو سنة الوهابيين، أو يقول: هذه سنة الحكام العرب، وهكذا، وليست أحاديث وسنة النبي عليه الصلاة والسلام.

ثم يلمز كل من يدافع عن سنة النبي عليه الصلاة والسلام بأنه وهابي أو عميل أو مرتزق، ونحوها من انواع اللمز كي يصرف وجوه العوام عن الحق المبين، فما هو الدافع لهؤلاء؟

الجواب: أن هذا الصنف من الناس أنواع:

النوع الأول: طائفيون معادون للدولة السعودية وعلمائها، وفي تصورهم أن الدولة السعودية متصدرة للدفاع عن السنة النبوية حكومةً، وشعبًا، وعلماءً.

فكل ما عُرفت به السعودية أو علماء السعودية - وإن كان حقًا - فلا بد من معاداته ورده تشيعًا وعداوة بناء على اصول ومبادئ الطائفة التي ينتمي لها سواء كانت الطائفة الشيعية او غيرها مما اصولها انكار السنة إلا ما وافق هواهم كاحتجاجهم بحديث الولاية التي تعني المحبة والتي حرفوها إلى ولاية الحكم ثم قيدوا ذلك في البطنين، وكل من دافع عن السنة فهو عندهم وهابي يتبع منهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي، الذي ناصرته الدولة السعودية في دعوته القائمة على نشر التوحيد والسنة، ونبذ الشرك والوثنية.

النوع الثاني: جهة حزبية أو دولة معادية للسعودية لأسباب سياسية، حيث يتصور هؤلاء أن الدفاع عن السنة مرتبط بالدولة السعودية باعتبار أن علماء المملكة أهل توحيد وسنة، وفيهم هيئة كبار العلماء، والسعودية متصدرة الدفاع عن السنة.

فيرون أن كل من يدافع عن السنة متأثر بالدولة السعودية، فيلزم معاداته في كل شيء من باب المناكفة.

النوع الثالث: جهة شعبية عندها تعبئة خاطئة من جهات مختلفة، فبمجرد ما تكتب عن السنة، أو تلقي محاضرة أو درسًا حول ذلك، يقول: هذه سنة الحكام العرب، لماذا لا تكتب عن الدفاع عن الأراضي الإسلامية المغتصبة؟ ولماذا لا تدعو إلى الجهاد؟ ولماذا لا تتكلم عن الموالاة والمعاداة وضوابطها في الإسلام؟

هذا الصنف يخرجك من موضوع الدفاع عن السنة إلى موضوع آخر لمحاولة التثبيط وصرف العوام عن الحق.

ومما لا شك فيه: أن الدفاع عن الأراضي الإسلامية المغتصبة، وموضوع الجهاد، والموالاة والمعاداة وضوابطها في الإسلام، كلها مواضيع مهمة في عصرنا الحاضر وفي العصور المتقدمة، وكلها قد تكلمنا عنها في مؤلفات مستقلة مطبوعة، وكذا مقالات ومحاضرات.

لكن هذا الصنف يحكم جهلًا منه قبل أن يطلع، ويسأل، ويفتش، وهنا تكمن قلة الوعي في الخطاب والنقد والتعجل.

النوع الرابع: قوم مقلدون، وهم عوام كثيرون، بمجرد ما يجد أن بعض من حوله ينكر السنة ويرد الأحاديث الصحيحة ويدندن ببعض العبارات، يتأثر ويقلد على جهل مثل من هو حوله وفي بيئته، ظانًا أن من ينكر السنة هو المحق دون أن يتثبت.

وحتى لا أطيل عليكم أقول لهؤلاء جميعًا:

القضية دينية شرعية، لا علاقة لها بدولة أو شيخ أو طائفة أو سياسة أو حزب أو بيئة أو تقليد، وإنما تتعلق بقول رب العزة والجلال:

"وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ"،

فالداعية المخلص لا يعلّق دينه بسياسة ولا بدولة ولا بشيخ ولا بزعيم ولا بطائفة ولا بحزب ولا بتقليد ولا ببيئة، وإنما يعلق دينه بالله رب العالمين، لكونه سيقف يوم القيامة بين يدي الله، ويسأله عن علمه ماذا فعل به؟ وعن قوله واعتقاده وفعله هل كان موافقًا لكتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام أم مخالفًا؟

قال الله تعالى: "وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ"،

فدعوكم من التخرصات، والأوهام، والتهم، والطائفية، والتقليد، والمناكفات التي لا تأتي بخير، وعودوا إلى رشدكم.

قال الله تعالى: "فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا".

هذه الآية نص واضح أن القرآن والسنة مصدران للتشريع الإسلامي، وإلا فما الحاجة لقوله تعالى: "فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ"؟

ثم اشترط الله صحة الإيمان بالتحاكم إلى القرآن والسنة، فقال: "إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ"، والتقدير: إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، فردوه إلى الله ورسوله.

وقد أكد هذا الأمر بقوله تعالى: "فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ، وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"، ثم حذَّر من الوقوع في الفتنة في حال مخالفة أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال سبحانه: "فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ، أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"، وشدَّد في الأمر، وأنه لا خِيرة لأحد فيما قضى به النبي عليه الصلاة والسلام، لكونه لا يقضي في القضايا الشرعية إلا بموجب الوحي، فقال سبحانه:

"وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ، إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا، أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا".

وفي هذه الآية أيضًا أنه حكم بالضلال الواضح لكل من عصى الله ورسوله، فقال: "وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا"، فتأملوا.

قال الشافعي في كتاب "الأم" (9/5):

"لم أسمع أحدًا نسبه الناس، أو نسب نفسه إلى علم، يخالف في أن فرض الله عز وجل اتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتسليم لحكمه". اهـ

وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.

حرر بتاريخ: 18 ذي القعدة لعام 1446 هجرية.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام