كيف تحاور من ينكر أحاديث السنة الصحيحة (12)
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
شبهة(4): قول منكري السنة إن الله أمرنا باتباع القرآن ولم يأمرنا باتباع بالسنة بدليل الآيات التي تدعو إلى اتباعه مثل قوله تعالى:" "ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ، وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ، قَلِيلًۭا مَّا تَذَكَّرُونَ" ، وقوله تعالى:" وهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ، وَٱتَّقُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ"، وقوله تعالى:" فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَه".
والجواب على هذه الشبهة: أن هذه الآيات الثلاث دعوة لاتباع ما جاء في القرآن الكريم، ومما جاء في القرآن الكريم أن الاتباع واجب لله ورسوله معاً، وهذا الرد كافي على هذه الشبهة، ألم يقل الله سبحانه:"وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا".
وفي هذه الآية أنه حكم بالضلال الواضح لكل من عصى الله ورسوله فقال : " وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا"، فتأملوا.
وقال الله تعالى : " مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ "، وقال تعالى : " وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا".
وقال الله تعالى : " إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ " فما حكم به النبي عليه الصلاة والسلام فهو من عند الله، وهو اتباع لما أنزل الله، لأنه قال سبحانه : " لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ " حيث كان جبريل يأتي النبي عليه الصلاة والسلام بالوحي في القضاء والأروش والخصومات والأحكام التي يعلمها الناس.
وقال الله تعالى : " وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ".
هذه الآية دليل واضح في أن المسلم لن يستطيع إقامة الصلاة وأحكام الزكاة إلا بطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام بدليل أنه أردف إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بقوله : " وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ " إشارة إلى أن الرسول هو من سيعلمكم أحكام الصلاة والزكاة ونحوها من العبادات المجملة في كتاب الله.
وقال الله تعالى : " يـا أيّها الّذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول، ولا تبطلوا أعمالكم" وبطلان العمل أن تفرق في الاعتقاد والعمل بين ما جاء عن الله وعن رسوله لكونهما معًا تشريعاً واحداً من عند الله.
وقال الله تعالى: " وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ".
فقوله : " وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ " فالذكر: السنة وهي وحي منزل من عند الله، وعلل انزالها بقوله سبحانه : " لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ " يعني تشرح وتوضح المنزل، وهو القرآن" ثم قال : " وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" فلا يصح فكر أحد من المسلمين حتى يعلم أن السنة موضحة وشارحة ومكملة لأحكام الشرع بنص هذه الآية.
فلا يستطيع الناس اتباع القرآن إلا بالبيان الذي أوحاه الله إلى رسوله الذي أتم به الدين، قال الله تعالى على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام: "قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ"، فهذه الآية تُكمل المعنى الذي في الآيات السابقة كلها حيث جميعها يؤكد أن الاتباع الصادق للوحي (قرآنًا وسنة) هو السبيل الوحيد للفوز بمحبة الله ورضوانه.
وقال الله تعالى: "وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ".
هذه الآية من أبرز الأدلة التي تؤكد أن النبي عليه الصلاة لا يُطاع فقط فيما جاء في القرآن، بل أيضًا فيما جاء به من سنّة وبيان ووحي مستقل، وهو ما أكدته كثير من الآيات السابقة، ثم قال الله تعالى:" فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ"، بمعنى: إن أعرضتم عن الطاعة، ورفضتم الانقياد لأمر الله ورسوله، "فَاعْلَمُوا" صيغة تأكيد وتنبيه، أي: تأكدوا وتفكروا، "أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ" أي: وظيفة الرسول عليه الصلاة والسلام هي البلاغ الواضح الشارح الجليّ، وقد أداها كاملة، وليس عليه أن يُجبركم أو يُكرهكم على طاعة الله ورسوله لكن إن عصيتم فكما قال الله تعالى لكم:" قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ، فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ، وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا"، بمعنى إن تطيعوا رسوله تهتدوا بدليل السياق القرآني" فإنما عليه ما حمل"، وأيضاً بدليل السياق اللغوي فالضمير يرجع إلى آخر مذكور وهو الرسول.
وفق الله الجميع لطاعته وألهمهم رشدهم.
حرر بتاريخ 22 ذي الحجة لعام1446هـ