الإثنين 10 صفر 1442 هـ || الموافق 28 شتنبر 2020 م


قائمة الأقسام   ||    قواعد واصول العقيدة والتوحيد    ||    عدد المشاهدات: 459

الحلقة (2)

القاعدة الثانية

كلُّ شئ يُسَبِّحُ، ويُمَجِّدُ الله جل وعلا

قال تعالى: "تسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ، وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ ، وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ([1]) تَسْبِيحَهُمْ ، إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً"([2]).

كل شئ في الوجود يعرف ربه، وخالقه إلا الملاحدة، والزنادقة فإنهم ينكرون ولا يعترفون بخالقهم جل وعلا، بخلاف عروقهم، وأجسامهم، وكافة أعضائهم، والجمادات حولهم، والأشياء بجميع أنواعها، واختلاف أشكالها، سَواءٌ تُرى بالعين المجردة أم لا، فإنها كلها تسبح، وتمجد باريها وموجدها سبحانه.

قال تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ([3]) كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ"([4]) .

ومن صريح الأدلة أيضاً قوله تعالى: "وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ"([5]).

ومن الأدلة الواردة في السنة:

حديث عبد الله بن مسعود قال: كنا نَعُدُّ الآيات([6]) بركةً ، وأنتم تعدونها تخويفاً ، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر

فَقَلَّ الماء.

فقال: اطلبوا فَضْلَةً من ماء([7]) .

فجاءوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء ثم قال:

حيَّ على الطهور المبارك، والبركةُ من الله.

فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم :"ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يُؤْكَل"([8]).

وحديث جابر بن عبد الله قال: كان المسجد مسقوفاً على جذوع من نخل ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا خطب يقوم إلى جذع منها ، فلما صُنِعَ له المنبر ، وكان عليه فسمعنا لذلك الِجذع([9]) صوتاً كصوت العِشَار([10])، حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليها فَسَكَنَتْ([11])"([12]).

وفيه دلالة على أن الجمادات تتعظ ولا يكون ذلك إلا فيمن يعرف ربه ويمجده.

وأخرج ابن أبي عاصم والخلال في السنة واللالكائي في اعتقاد أهل السنة وغيرهم عن عاصم بن حميد قال :إن أبا ذر قال: "إني انطلقت ألتمس رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض حوائط المدينة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد، فأقبل إليه أبو ذر حتى سلم على النبي صلى الله عليه وسلم.

قال أبو ذر: وحصياتٌ موضوعةٌ بين يديه، فأخذهن في يده، فَسَبَّحْنَ في يده، ثم وضعهن في الأرض، فَسَكَتْنَ، ثم أخذهن فوضعهن في يد أبي بكر فَسَبَّحْنَ في يده ، ثم أخذهن فوضعهن في الأرض فَخَرَسْنَ، ثم أخذهن، فوضعهن في يد عمر، فَسَبَّحْنَ في يده ، ثم أخذهن، فوضعهن في الأرض فَخَرَسْنَ، ثم أخذهن، فوضعهن في يد عثمان فَسَبَّحْنَ، ثم أخذهن، فوضعهن في الأرض فَخَرَسْنَ"([13]).

وأدلة كثيرة في الكتاب والسنة لا يسع هذا المختصر حصرها، فسبحان الله كيف تَبَلَّدَتْ عُقولُ الملاحدة، وتَعَطَّلَت أفكارهم، وانهزمت مشاربهم، وتعجرفت معالمهم وثقافاتهم ، عن أن يؤمنوا بالخالق وحده، ويتركوا ضلالهم، وإلحادهم الذي يجرهم إلى جحيم الدنيا والآخرة، فإن الطبيعةَ التي يقول الملاحدة عنها خالقة للأشياء، هي مخلوقةٌ، ومُسَيَّرَةٌ ، فكيف يكون لجمادٍ مثلها أنْ يَخْلُقَ وهو مخلوقٌ ضعيفٌ، وجندي من جنود الله المسبحة الممجدة للواحد الأحد.

"أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ، إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ([14])، بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً"([15]).

 


([1])  تفهمون.

([2])   سورة الإسراء ، الآية رقم : 44.

([3])  تبسط أجنحتها كما تقبضها لكي تحلق وتطير.

([4])  سورة النور ، الآية رقم : 41.

([5])  سورة البقرة ، الآية رقم : 74.

([6])  المعجزات.

([7])  زيادة وبقية منه.

([8])  أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المناقب ، باب علامات النبوة في الإسلام (3/1312 رقم 3386).

([9])  ساق النخلة.

([10])  أنثى الجمل التي قاربت الولادة وكانت في الشهر العاشر, أو التي معها أولادها شبه بصوتها عند فراق أولادها, انظر: عمدة القاري-(6/217).

([11])  هدأت وسكتت.

([12])  أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المناقب ، باب علامات النبوة في الإسلام (3/1314 رقم 3392) .

([13])  أخرجه الطبراني في الأوسط (2/59 رقم 1244) ، (4/245 رقم 4097) ، وكذا في مسند الشاميين (4/247 رقم 3198)، واللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة (4/806 رقم 1485)، والخلال في السنة (1/288 رقم 351) وغيرهم، وهذا حديث حسن لغيره.

([14])  الإبل والبقر والغنم.

([15])  سورة الفرقان، الآية رقم 44.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام