الأربعاء 18 محرم 1441 هـ || الموافق 18 شتنبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    قواعد واصول العقيدة والتوحيد    ||    عدد المشاهدات: 232

الحلقة (4)

القاعدة الرابعة

مصدر توحيد الباري ينحصر فيما جاء عن الشرع

لا يُوَحَّدُ الباري حقَّ التوحيد إلا بكتاب الله، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام بفهم سلف هذه الأمة، وهم الصحابة رضوان الله عليهم، الذين شهدوا الوحي وهو يتنزل على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفهموه بموجب ما علموه منه واتبعوه ونصروه عقيدةً وشريعةً ومنهاجاً وسلوكاً.

قال الشاطبي في الموافقات (4/79): "ومن كان بِهذه المثابة حقيقٌ أن يتُخذَ قدوة وتجعل سيرته قبلة"اهــ

وكلُّ مَنْ وحَّد الله بفطرته السليمة، ثم خالط أهل الأهواء والزيغ فلا يُؤْمَنُ على توحيده فإنَّ: "مَنْ جَالَسَ جانس" إلا مَنْ سلَّمه الله, ومعنى جانس: أي أخذ من أخلاق غيره.

لأن المبتدعة بجميع طوائفهم أعداءٌ للتوحيد الخالص، فمصدر التوحيد عندهم العقل والهوى، وأما مصدر توحيد السلف وأتباعهم، فهو الوحي المنزل على رسوله عليه الصلاة والسلام سواء كان قرآناً وسنة.

قال تعالى: "وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ، وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ"([1]).

وقال تعالى: "وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ، وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ ([2]) عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ، فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ، وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ" ([3]).

وقال جل شأنه: "قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ"([4]).

قال ابن كثير في تفسيره: وقوله " الذي يؤمن بالله وكلماته" أي يصدق قوله عمله وهو يؤمن بما أنزل إليه من ربه – واتبعوه - أي اسلكوا طريقه واقتفوا أثره - لعلكم تهتدون أي الصراط المستقيم"([5]).

وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار"([6]).

فتوحيد الباري ينحصر فيما جاء به كتاب الله، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.

وقد بيَّنَ النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم توحيد الله الخالص وأبطل كل أمور الجاهلية بلسان الشرع القويم سواء كان متعلقاً بالعقيدة أو التوحيد أو المنهج أو الشريعة أو السلوك، فقال: "ألا كلُّ شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع"([7]).

وقد كسر الأصنام والأوثان، وأبطل المقاصد والوسائل والشفاعات الشركية، ونفى أن يكون لله صاحبة أو ولد، ونزل عليه القرآن الكريم لعلاج هذه الأمة وربطها بخالقها وحده لا شريك له، قائلاً للثقلين جميعاً: "وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ، أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى، قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ ، وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ"([8])

فتوحيد الله مُسَطَّرٌ، وواضحٌ بَيْنٌ، في كتاب الله، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام ، ومن أعرض عنهما فقد أعرض عن الحياة الحقة "أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا"([9]).

وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.

 


([1])  سورة الأنعام ، الآية رقم : 155.

([2])  يضلوك.

([3])   سورة المائدة ، الآية رقم : 49.

([4])  سورة الأعراف ، الآية رقم : 15.

([5])  ابن كثير ، تفسير القرآن العظيم ، 2/257.

([6])   أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان ، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته (1/134 رقم 153) .

([7])  أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الحج ، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم (2/889 رقم 1218) .

([8])  سورة الأنعام ، الآية رقم : 19.

([9])  سورة الأنعام ، الآية رقم : 122.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام