الجمعة 29 شوال 1447 هـ || الموافق 17 أبريل 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مواعظ من القلب    ||    عدد المشاهدات: 441

الطريق إلى النفس المطمئنة
ضمن سلسلة مواعظ من القلب (حلقة رقم 32)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى: (يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي، وادخلي جنتي).

يا الله، أي مقام هذا؟

وأي عظمة أن يناديك ربك!

وأي راحة أن تعود إليه وهو عنك راض؟

ما أسعده من يوم عندما يأتيك الموت، ويناديك الملك بهذا النداء، وهذه البشارة التي لا تقدّر بثمن.

ما أروعها من لحظات عندما تساق إلى الجنة، لا بسوط، ولا بجبر، بل بلهفة اللقاء، وشوق الحبيب لحبيبه!

يا من أتعبتك نفسك، يا من كثرت فيك الصراعات، والشدائد، والابتلاءات، والمنغصات، لكنك قوي الإيمان، لم تزحزحك الشهوات ولا المغريات الفانيات، أبشر أبشر، واطمئن، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.

لكن يا من عصيت الله، أما حان لك أن تطمئن نفسك بالله؟ أن تقول لها: قفي يا نفس، كفى تيها في شهواتك،

تعالي نعود إلى الله، ففي ذكره الطمأنينة: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب).

النفس المطمئنة قد تحزن في الدنيا بسبب المنغصات والهموم والغموم، لكنها لا تيأس من رحمة الله.

هي نفس تعيش على موائد القرآن، وتسجد في جوف الليل، وتسقي قلبها إيمان التائبين، وتغسل أوزارها بماء التوبة كلما زلت.

ليست معصومة، لكنها إذا أذنبت، استغفرت، وإذا زلت، ندمت، وإذا ابتعدت، عادت تبكي وتقول: يا رب، عبدك قد أضاع الطريق، فرده إليك ردا جميلًا.

النفس المطمئنة: إذا نامت، نامت على طهارة، وإذا استيقظت، استيقظت على الذكر، وإذا غفلت، نبهها القرآن، وإذا ضاقت، وسعتها الصلاة.

هي التي لا تجد السكينة إلا في طاعة الله واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تطمئن إلا بكلمة: (رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيّا).

هل جربت يوما أن تتحدث مع نفسك وتقول: يا نفس، أما تتوقين إلى أن تكوني مطمئنة؟ فإلى متى التشتت؟ وإلى متى النظر للخلف؟ وإلى متى نسيان الآخرة؟ وإلى متى الانشغال فقط بجمع الدنيا وهي تجمع لتترك؟

الطريق إلى النفس المطمئنة واضح: فطهر قلبك من الحقد والحسد، واترك النظر إلى الحرام، وغض بصرك.

صل الفجر على وقته، واقرأ شيئا من كتاب الله، ابك على ذنبك، وتب، ولا تعد.

سامح، واصفح، واطلب من الله صفاء النفس، واعمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا فعلت، رأيت عجبا: صدر منشرح، وقلب ساكن، لا يخاف من الغد، ولا يندم على الأمس،

لأنه يعيش مع الله في كل لحظة.

كلما سكنت النفس بربها، سكنت الحياة كلها.

وكلما اضطربت عن ربها، اضطرب كل شيء فيها.

اللهم اجعل نفوسنا مطمئنة، تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتسكن لذكرك، ولا تضطرب من خوف أو هم أو بلاء.

اللهم ارزقنا نفسا آمنة راضية، لا تتقلب مع الفتن، ولا تضعف عند المحن، ولا يزلزلها الشك، ولا يغلبها الحزن.

اللهم طهر قلوبنا من القلق، واملأ أرواحنا باليقين، واجعلنا ممن قلت فيهم:

(يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية).

اللهم إن قلوبنا بين يديك، فأمنا بها في الدنيا من الاضطراب، وأمّنها في الآخرة من العذاب، واجعل قرارها عندك في جنات النعيم.

ربنا هب لنا من نفوسنا سكينة، ومن أرواحنا طمأنينة، ومن رحمتك سترا لا يزول، ونورا لا يخبو، وأملا لا يموت، آمين.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام