لماذا ألحدوا؟ قراءة في الجذور والدوافع والانحرافات (2)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
خدعوك عندما قالوا: الدين يعارض العلم والعقل
يا من تركت الإسلام ظنا أن العلم يناقض الدين، ويا من توهمت أن العقل لا يجتمع مع الوحي.
اقرأ بقلبك كما تقرأ بعقلك، وفكر في كل كلمة أخاطبك بها.
قالوا لك: العلم الحديث أسقط الدين، والفيزياء والمجرات أثبتت أن الله لا وجود له، ونظرية داروين نسفت آدم، والانفجار العظيم ألغى الخلق، والعلماء لا يؤمنون، فكن مثلهم، وصدقتهم!
ربما لم تسأل نفسك لحظة: هل ما يُقال: علم حقا، أم مجرد فرضيات؟
هل هو يقين أم ظنون ملفوفة بمصطلحات براقة؟
وهل الإسلام حقا يخالف العقل؟ أم أن من تحدث باسم العلم لم يفهم الدين أصلا؟
أيها الحائر، أيها المتشكك:
الإسلام ليس خصما للعلم، بل هو أول من رفع رايته.
فأول آية نزلت في القرآن لم تكن: صل أو صم، بل كانت: اقرأ.
اقرأ بصدق، لا بنصف بصيرة، ولا بقلب مغلق، ولا بإعجاب أعمى، بل بكل ما يُقال إنه: علم.
دعني أسألك: هل نظرية داروين علم يقيني؟
كلا، هي مجرد نظرية تفسيرية، لا تثبت أصل الخلق، ولا تنفي وجود الخالق.
وقد نُقدت بشدة من داخل المجتمع العلمي نفسه، وظهرت دراسات واضحة تقول: التطور لا يفسر تعقيد الكائنات، ولا يفسر وعي الإنسان.
بل إن توماس ناغل – أحد فلاسفة علم الأحياء الكبار – قال: الوعي لا يمكن تفسيره ماديا فقط.
الانفجار العظيم لا ينفي الخلق، بل يؤكد أن الكون كان له بداية.
والبداية تعني: حدوث بعد عدم.
أليس هذا ما قاله القرآن قبل 1400 سنة؟ (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما).
فمن فجر الكون؟، ومن ضبط قوانينه؟، ومن وضع نسب الجاذبية والدقة الكونية التي لو اختلت لانتهى كل شيء؟
العلم الحديث يصمت، أما الإيمان فيقول: (ذلك تقدير العزيز العليم)
يا من ظننت أن المختبر سيعطيك كل الأجوبة: العلم لا يقول لك من أنت، ولا لماذا وُجدت، ولا إلى أين المصير؟
العلم الحديث يشرح كيف، لكنه لا يملك أن يقول لك: لماذا.
العلم الحديث لا يمنحك معنى، ولا أمانا، ولا غاية.
يعطيك معادلات، لكنه لا يسمع بكاءك في الليل.
فقط يعطيك أدوات، لكنه لا يملأ فراغ قلبك.
أما الإلحاد فقد قدم لك:
كونا باردا، فارغا، لا رحمة فيه، فأنت فيه لا قيمة لك، مجرد صدفة هكذا الزعم،
ثم تموت، بلا غاية، وبلا معنى.
فهل يطمئن قلبك لهذا؟
هل ترضى أن تموت وأنت لا تعرف لماذا وُلدت؟
هل القلب الذي يخفق فيك بلا إذن، والعقل الذي يدرك الجمال، مجرد تفاعلات كيميائية؟
من أين جاء الضمير؟ والفن؟ والرحمة؟ والدمع؟
كيف يفسر الإلحاد الحب والسكينة والحنين؟
لن يجيبك، لأنه أخرس أمام معنى الإنسان.
الإيمان ليس ضد العلم، بل هو نوره، الإيمان لا يقتل العقل، بل يهديه. ولا يطفئ نور العلم، بل يشعل له الطريق.
الإسلام دين فطرة، لا يصطدم مع عقل صادق ولا مع علم نزيه.
الخلل ليس في الدين، بل فيمن شوه الدين، أو من ظن أن الحقيقة تُؤخذ من المختبر فقط، ونسي الروح، والقلب، والغاية.
فعد إلى رشدك فقد اشتاقت روحك إلى المعنى الحقيقي، واشتاق قلبك إلى نور اليقين.
اللهم يا هادي القلوب، ويا من بك يهتدي الحائرون،
افتح على من ضل قلبه، واغسل بالحق روحه،
واجعل العلم الصحيح سببا لعودته، لا طريقا لتيهه، واهد به من ألحد، كما هديت من ضل قبله، يا أرحم الراحمين.