لماذا ألحدوا؟ قراءة في الجذور والدوافع والانحرافات (5)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
حين يُظلم الدين بأهله، لا بنوره
عجبا لك يا أيها المرتد تركت الإسلام، لا لأنه باطل، بل لأنك لم تفهمه كما أنزله الله، بل كما شوهه بعض أتباعه.
لقد رأيت من يكفر المخالف لأدنى خلاف، وسمعت من يقول بالقتل على تأويل ظني،
ورأيت رجالا قساة باسم الدين، فظننت أن هذا هو الإسلام، فقلت: إن كان هذا دين الله، فلا حاجة لي به.
ثم ارتديت بناء على فتوى جهلك وشيطانك، لا لأن الحجة أقنعتك، بل لأن النفور ملأ قلبك لضعف إيمانك.
لكنك ظلمت النور بسبب ظلمة من ادعى حمله من الخوارج وأشياعهم، ونسيت أن الدين الحق لا يقاس بأفعال من لم يفهموه، ولا بأخطاء من نسبوا أنفسهم إليه.
هل قرأت القرآن كاملا؟، وهل تأملت حديث النبي دون أن تقطعه من سياقه؟، وهل جلست مع عالم رباني، لا متعصب غليظ؟، أم أنك سمعت مقطعا لملحد اصطادك بأسلوبه الذي يضحك به على البسطاء أمثالك، أو قرأت له منشورا، ثم بنيت عليه قرارك في مصيرك الأبدي؟
لقد فهمت أن الإسلام دين دم وقتل بسبب آيات القتال،
ونسيت أنها نزلت في سياق الدفاع والردع، لا العدوان والإبادة.
قال تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين).
هل تأملت؟ (ولا تعتدوا) هذا قيد ضيعه من يرفعون راية الإسلام بالسيف، وقلوبهم خالية من روحه.
ثم رأيت أحاديث الرجم أو قطع اليد، فقلت: هذا دين قاسٍ لا رحمة فيه.
لكن هل سألت متى تطبق؟ وعلى من؟ وبأي شروط؟
وهل رأيت كم يشترط الإسلام من الشهود، والعدالة، والإنذار، والظروف، حتى يقام حد؟
ثم نسيت أن الإسلام هو من نطق بقول الرحمن: (ورحمتي وسعت كل شيء)، وأيضا (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).
وفي الصحيحين: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).
أنت لم تقرأ الإسلام من مصدره، بل من هامشه، ولم تسمعه من قلبه، بل من شواذه.
رأيت بعض المتشددين يحتقر المرأة، ويقصي العقل، ويُحرّم الذوق، ويجرّم الضحك، فقلت: ما هذا الظلام؟
ونسيت أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يمزح، ويقبل زوجته، ويستمع للشعر، ويستشير النساء، ويبتسم في وجوه أصحابه.
أي ظلم ألحقته بهذا الدين حين جعلت أخطاء البشر حكما على ربهم ودينهم؟!
إن القرآن ليس كتاب فقه فحسب، بل كتاب رحمة، وهداية، ونور، وعلم، وعقيدة، ومنهج حياة، وقد نزل على قلب، لا على لسان فقط، ونزل لتتفكر فيه وتعمل به، لا لتحفظه بلا فهم.
لقد انزعجت من فتاوى متعصبين، وتضايقت من قوم لا يفهمون زمانهم،
لكن الإسلام بريء منهم ومنك، فهم جهلوا رحمته، وأنت أنكرت نوره.
الدين ليس هو المتشدد، ولا هو بعض المتعالمين الذين يصيحون في الفضائيات.
الدين هو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم: علم وحلم، وعقل، ورحمة، وإنصاف، ونور يبدد الشبهات لا يضاعفها.
فلماذا جعلت فهمك القاصر ميزانا، والقرآن بين يديك؟!
لماذا اتبعت صورة مشوهة للدين، وتركته؟!
لماذا رفضت الأصل لأنك سئمت من انحرافات الناس عنه؟
ارجع واقرأ القرآن، واجلس مع عالم رباني واطرح عليه الأسئلة من جديد:
هل أخطأ الدين، أم أني رأيت الدين في مرايا مشروخة؟
هل تركت الإسلام حقا؟ أم تركت من أساؤوا إليه؟، وحدث قلبك أيضا بذلك وقل له: لماذا انحرفت دون أن أرجع لعالم رباني يجدد لي النور في قلبي.
نعم، نحن لا ننكر أن بعض من تصدروا للدين أساؤوا إليه،
لكن الجوهر لم يتغير، والنور لم يطفأ، والحق لا تلطخه الأيدي المتهورة والمتعالمة.
فارجع إلى الله، لا لأنك خائف فحسب، بل لأنك مشتاق إلى الحق، واقرأ كتابه من جديد، ليس بعين الغضب، بل بعين من يريد أن يفهم لا أن يحكم.
وستبكي، لا لأنك كنت ضالا فحسب، بل لأنك ظلمت أجمل ما في الوجود، (ظلمت محمدا وما جاء به من النور المبين).
اللهم يا مقلب القلوب، رد قلبه إليك ردا جميلا، واهده صراطك المستقيم، وأخرجه من ظلمات الشك إلى نور اليقين، واملأ صدره بالإيمان، وقلبه بالسكينة، ونفسه بالطمأنينة، ولا تتركه لنفسه طرفة عين، يا أرحم الراحمين.