لماذا ألحدوا؟ قراءة في الجذور والدوافع والانحرافات (7)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
حينما يكون إلحادك بسبب اعتراضك على القدر
اعلم أيها المرتد أن قلبك مجروح، وأن وراء ارتدادك غضبا دفينا، وصراعا قديما، ربما أحيانا تقول: لماذا مات أبي مبكرا؟، لماذا يُولد طفل معوق؟، لماذا تغتصب بريئة من غير ذنب؟، أين الله من كل هذا؟
ثم قلت في لحظة ألم:
إن كان هناك إله، فهو لا يراني، أو لا يرحمني، أو لا يستحق أن أؤمن به.
وبعد أن غلبك الحزن، هربت، لا إلى الحل، بل إلى الإنكار.
ظنا منك أن الإلحاد سيطفئ النار التي فيك.
لكني أقول لك: الإلحاد لا يجيبك، بل يهرب بك من الأسئلة، هو لا يقول لك لماذا يوجد الشر، بل يقول لك: لا يوجد معنى أصلا.
حين تقول: لماذا يعذب الأطفال؟، فأنت تقر ضمنا بأن هناك خيرا وعدلا ورحمة، وتبحث عنها، وتتوق إليها.
لكن من أين جاء هذا المقياس الداخلي؟، من أين أتيت بمفهوم العدل أصلا إن لم يكن فيك بقايا نور من الله الذي فطر قلبك عليه؟
إن الملحد لا يستطيع أن يفسر الشر، لأنه لا يملك ميزانا للخير أصلا.
أما المؤمن، فيعلم أن وراء كل ألم حكمة، ولو خفيت،
وأن هناك ربا رحيما، وساعة عدل آتية، وجنة فيها يجبر كل مكسور، ويرد كل حق، ويشفي كل قلب.
الإسلام لا ينكر الشر، بل يعترف به، ويعلمنا كيف نتعامل معه، وهو أقسام:
الأول: شر ناتج عن أفعال البشر، قال تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس).
فلا تلم في ذلك إلا من ظلم نفسه.
الثاني: شر ظاهري، لكن وراءه خير خفي لا تراه، قال تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم).
الثالث: شر يُبتلى به المؤمن، فيرفع، ويطهّر، ويقوَى، ويُؤجر.
فما كان البلاء عقوبة دائما، بل منه ما هو اختبار أو تربية، أو رحمة، أو رفع درجة، أو تكفير ذنوب.
وكل أنواع الشر علمها الله قبل أن يخلق الخلق، فكتبها في كتاب، فهي مقدرة لعلم الله بحدوثها زمنا ومكانا وموضعا.
إنك لم تكفر لأن الله قدر ذلك، بل لأنك تألمت ولم تجد من يرشدك، فقررت أن تنكر الإله.
لكنك نسيت أن العدل لا يفهم في لحظة، بل يكشف في النهاية.
لو دخلت فصلا دراسيا في يوم امتحان الرياضيات، ورأيت الطلاب يتألمون، يبكون، يتوترون، فقلت: أي مدرسة جائرة هذه؟!
ثم خرجت غاضبا، هل كنت منصفا؟، أم كنت جاهلا بالسياق، لا تدري أن هذا الألم المؤقت هو طريق نجاحهم، ورفعتهم، وتخرجهم؟
كذلك الدنيا، دار ابتلاء لا دار جزاء.
وإنك إن أردت العدل كله هنا، فذلك نكران للحكمة، لأن الدنيا قصيرة، محدودة، ناقصة، لكن العدل كل العدل هناك، في يوم ينادى فيه: (ووضع الكتاب)، فتكشف كل الحقائق.
كم من مريض بكى، ثم قال بعد سنوات: لولا ذاك المرض ما اقتربت من الله.
وكم من فقير حمد الله، لأنه علم أنه ابتلي ليرتفع، وكم من يتيم وجد في ألمه بابا إلى نور الله، لم يجده غيره.
فلا تظن أن الله لا يراك، أو أنه لا يبالي بك، بل هو أقرب إليك من حبل الوريد، لكنه يبتليك ليطهرك، لا ليهينك.
عد إليه، لا لأنك فهمت كل شيء، بل لأنك سلمت أن وراء كل شيء، ربا لا يسأل عما يفعل، وهم يُسألون.
اللهم يا هادي الضالين، ويا منير دروب الحائرين، ويا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، اللهم إن هذا العبد قد ضل الطريق، فخذ بيده إليك، وامْلأ قلبه بنورك، واهده صراطك المستقيم.