لماذا ألحدوا؟ قراءة في الجذور والدوافع والانحرافات (8)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
حين يباع الإيمان بثمن الشهوة
بعض المرتدين لم يلحدوا بسبب شبهات عقلية ولا تأويلات دينية، بل بسبب شهواتهم.
لقد قلت أيها الملحد: لا أؤمن بالله، والحقيقة أنك لم تترك الإيمان لأنه باطل، بل لأن قيوده أتعبت شهواتك.
كنت تعرف أن الخمر حرام، لكن لذتها عندك ألذ من الطاعة.
كنت تعلم أن الزنا فاحشة، لكنك لم تستطع أن تغض بصرك.
صلاة الفجر ثقيلة عليك، فقلت: الله ليس موجودا، لا لأنك مقتنع، بل لأنك تبحث عن مبرر داخلي لتبرير التقصير.
دعنا نواجه الحقيقة سويا:
لقد كرهت القيود، لا الدين.
كرهت الحدود، لا الحكمة.
كرهت صوت الحق حين يعاتبك كلما سقطت،
فآثرت أن تقتله بالإلحاد، عوضا عن مجاهدة النفس.
حين ترتكب ذنبا وأنت مؤمن، يؤلمك قلبك، لكن حين تنكر وجود الله، تصبح حرا – في ظنك – تفعل ما تشاء، بلا تأنيب، بلا حساب، بلا جحيم.
لكنك نسيت شيئا.
أنت حر من الخارج، مكبل من الداخل، تضحك في الظاهر، وتنهار في وحدتك.
تنشر مقولات عن الحرية، وتبكي ليلا دون أن يعلم أحد، لأنك فقدت شيئا لا يعوض.
تخيل هذا المشهد: شاب يترك الصلاة لأنه سهر على المسلسلات، ثم يقول: الدين ليس مقنعا.
فتاة تخلع الحجاب لأنها تأثرت بموضة الغرب، ثم تقول: الإسلام ذكوري.
رجل يعشق امرأة متزوجة، ثم يهذي: الزواج فكرة متخلفة من تراث بدوي.
هل هذه حجج عقلية؟ أم هي شهوات تبحث عن أعذار تبررها؟
دعني أسألك بصراحة: هل الإلحاد أراحك فعلا؟ هل وجدت فيه الطمأنينة؟ أم أنك كلما انفردت بنفسك، سألك قلبك سؤالا لا تهرب منه: وماذا بعد كل هذا؟!، هل المتعة كافية؟، هل كل ما فيك خلق لتأكل وتشرب وتستمتع؟ أين القيمة؟ أين الهدف؟ أين الطهر؟ أين السمو؟ أين لحظة النقاء التي كنت تشعر بها وأنت ساجد لله؟
إن ما هربت منه ليس الدين، بل التكاليف، وما أنكرت وجوده، إلا لأنك أردت أن تسكت النداء الداخلي الذي يقول لك كلما أذن المؤذن: (حي على الفلاح)
فقلت: لا أسمع، لا أريد أن أسمع، لأنني لا أطيق أن أحاسب، ولا أطيق أن أمنع.
وهل ينفع أن تغالط نفسك بذلك؟ بل ستتحاسب بين يدي الجبار سبحانه وإن أقنعت نفسك بما تهرف به، وغدا الملتقى إن بقيت ملحدا.
فأنت مخدوع، لأنك لم تتحرر، بل استبدلت قيد الدين بقيد الشهوة، والأول يرفعك، والثاني يسقطك.
الدين يقيدك لترتفع، والشهوة تتركك لتغرق.
حررك الإسلام من عبادة الهوى، فعبدت الهوى باسم الحرية، ثم بكيت لأنك ظننت أن السعادة في: أن تفعل ما تريد، ونسيت أن السعادة الحقيقية في: أن تفعل ما يرضي الله.
يا من ارتددت لأنك أردت لذة بلا حساب، اعلم أن الله لا يمنعك من المتعة، بل يهذبها، ويطهرها، ويرفعك بها.
الإسلام لا يعادي فطرة الإنسان، بل ينقيها ويقودها للطريق النظيف.
فارجع لا لأنك فشلت، بل لأنك جربت ما ظننته حرية، فاكتشفت أنه عبودية جديدة.
عد إلى الله فإن الشهوة مؤقتة، والإيمان دائم،
والنفس مهما تهرب، ستبكي يوما، شوقا إلى الله، والصفاء، والنقاء، فإن تبت فبها ونعمت، ما لم فقد خسرت الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.
اللهم إنك خلقت هذا القلب، وأنت أعلم بما فيه، فطهره من الشك، واملأه يقينا بك، وأرِه من آياتك ما يفتح بصيرته، ووفقه لصدق الطلب، وامنحه نورا يهتدي به إليك، فإنك لا تخذل من طرق بابك صادقا.