الإثنين 3 ذو القعدة 1447 هـ || الموافق 20 أبريل 2026 م


قائمة الأقسام   ||    لماذا ألحدوا؟ قراءة في الجذور والدوافع والانحرافات    ||    عدد المشاهدات: 541

لماذا ألحدوا؟ قراءة في الجذور والدوافع والانحرافات (3)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني

سوء فهم النصوص الشرعية يضل العقول عن نور الوحي


ليس كل من ارتد عن الدين كان عدوا له.

بعضهم ارتد عن الدين، لا لأنه عدو له، بل لأنه لم يفهم أدلة الكتاب والسنة.

خرج وفي قلبه ظن أن ما قرأه في كتاب الله، أو ما سمعه من سنة نبيه، لا يتفق مع الرحمة، أو لا ينسجم مع العقل، أو لا يليق بعدل الله.

لكنه نسي أن الكلام الإلهي لا يدان بالعقل القاصر، وإنما يفهم بنور العلم والبصيرة.

نسي أن الظن في النص لا يبطله، وأن الشبهة في الفهم لا تعني بطلان الوحي، بل قد تعني قصور المتلقي، أو ضعف المفسر، أو بتر السياق، أو سوء فهم التلقي.

تأمل معي المحاور التالية، وحاول أن تفهمني بذهن صاف وقلب واع:

أولا: ليست المشكلة في النص، بل في الفهم.

هل تعلم أن أكثر من ألحد، كان بسبب ذلك بعد أن واجه نصا شرعيا لم يفهمه، أو بلغه مشوها مبتورا، أو سمعه من غير أهله؟ قرأ آية تتحدث عن الجهاد، فظنها دعوة للدماء، وسمع حديثا عن المرأة، فحسبه احتقارا لها، واستمع لمن وصف العذاب، فاتهم الله بالقسوة!

لكن: هل كل من قرأ الطب صار طبيبا؟ وهل من قرأ عن الذرة صار عالما في الفيزياء؟ فكيف بمن قرأ في الدين العظيم دون علم ولا أصول، ثم بنى عليه حكما بالإلحاد!

ثانيا: الوحي لا يصطدم بالعقل السليم.

الإسلام لم يأت ليطفئ العقل، بل ليزكيه.

النصوص الشرعية الكثيرة تدعو إلى النظر، إلى التفكر، إلى التأمل، إلى التعقل، ومن ذلك قوله تعالى: (أفلا تعقلون؟)، وقوله: (أفلا يتدبرون؟)، وقوله: (قل انظروا ماذا في السماوات والأرض).

فما كان مع العقل، لا يمكن أن يبطل العقل، لكن بعضهم يخطئ حين يجعل من عقله إلها، يرد به كل ما لم يفهمه، فيرفض النص لمجرد أنه لم يبلغه وجهه الصحيح.

أليس هذا تعصبا باسم العقل؟

ثالثا: هل الشبهة في النص أم في النقل؟

كثير من النصوص التي يستشكلها الملحدون، هي في الحقيقة: إما أحاديث ضعيفة لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك يحملون الإسلام تبعاتها!

أو نصوص صحيحة فهمت بشكل خاطئ، لعدم معرفة السياق أو اللغة أو مقاصد الشريعة.

مثال ذلك: من قال إن الإسلام يظلم المرأة، حين يورثها نصف الرجل، لكنهم لم يعلموا أن المرأة لا تطالب بالنفقة ولا المسكن ولا المهر ولا أي تكاليف حياتية، فعدالة الله جعلت لها نصيبا أقل لأنها غير مكلفة بما كلف به الرجل، فأين الظلم في هذا؟

ومثال آخر: من اتهم الله بالقسوة حين قرأ عن عذاب القبر أو النار، متناسيا أن الله أنذر، وحذر، وأرسل الرسل، وفتح باب التوبة، وأن هذا العذاب لمن طغى وتكبر، لا لمن جهل وتاب.

رابعا: القرآن ليس كتابا سطحيا

القرآن كلام الله، لا يشبه الكتب البشرية، فيه محكم ومتشابه، ومكي ومدني، وهو بحر عظيم لا يغترف إلا بآلة العلم.

وقد اتفق أهل النظر والبصيرة على أن العقل الصريح السليم يوافق ما جاءت به النصوص الصحيحة الثابتة في القرآن والسنة.

فيا من تركت الدين بسبب عدم فهم آية أو حديث فهما صحيحا، توقف، وراجع نفسك: هل بحثت عن المعنى الصحيح عند أهل العلم الربانيين المتخصصين؟

هل سألت العلماء قبل أن تحكم؟ هل من العدل أن تتهم النص وأنت لم تفهمه بعد؟

خامسا: دعوة للعودة الهادئة

إن كنت قد ارتبت في دينك لأنك لم تفهمه، فهذه ليست جريمة، بل هذه أول خطوة في طريق البحث، لكن إياك أن تجعل من سوء الفهم بابا للكفر، أو تجعل من شبهة لم تحل سببا لرفض الوحي كله.

فمن العدل أن نطلب الفهم، لا أن نحكم قبل أن نفهم.

أيها الحائر: لا تترك القرآن لكونك لم تفهم أدلته، بل ابحث عن من يفهمك إياه، ولا ترفض السنة لأنها غريبة على سمعك، بل اسأل من عاش معها وفهم روحها، فالله لا يظلم، والدين لا يناقض العقل، وإنما يضل من زل فهمه، وأعرض عن النور.

(فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).

اللهم يا هادي الضالين، اهدِ هذا القلب الحائر، واملأ صدره بنورك وبيانك، واكشف عنه لبس الجهل، وسوء الفهم، ورده إليك ردًّا جميلا، وارزقه يقينا لا يرتد، وهدى لا يضل بعده أبدا.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام