السبت 30 شوال 1447 هـ || الموافق 18 أبريل 2026 م


قائمة الأقسام   ||    لماذا ألحدوا؟ قراءة في الجذور والدوافع والانحرافات    ||    عدد المشاهدات: 457

لماذا ألحدوا؟ قراءة في الجذور والدوافع والانحرافات (4)
حين يخدعك بريق الغرب، وتظن أن النور هناك

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


هل خرجت من الإسلام لأنك رأيت في الغرب حرية، ورأيت في مجتمعات المسلمين قيدا وتخلفا؟

هل ظننت أن الإسلام هو سبب ما نحن فيه من تأخر، وأن اللادين هو السر في تقدمهم؟

للأسف: كثير ممن ألحدوا، لم تكن مشكلتهم مع الإسلام، بل مع أفعال المسلمين.

لم يحتجوا على الله، بل على أوضاعهم، على بيئاتهم، على واقعهم، على أنظمة فاسدة، ومدارس علمية تسيء للإسلام بسبب بدع وضلال أقطابها، ومساجد اتخذها بعض أهل الضلال لنشر ضلالهم وبدعهم وتخلفهم، ومجتمعات لا ترحم، فأعلنوا التمرد، وكان الدين أول ضحية.

رأيت مسلما يسرق، فقلت: الإسلام فاسد، ورأيت شيخا متناقضا، فظننت أن الدين نفاق، ورأيت المرأة تُقهر باسم الشرع، فقلت: الشريعة ظالمة.

ثم رأيت الغرب وما فيه من انحطاط لكن: فيه نظام، نظافة، قوانين، حرية، مساواة، احترام الإنسان غالبا.

فقلت في نفسك: هنا النور، وهنا الحقيقة.

ولكن مهلا: هل نظرت إلى ظاهرهم فقط؟ أم قرأت أرقام الاكتئاب والانتحار؟ هل رأيت عدد المراكز النفسية؟ هل رأيت الفراغ الروحي الرهيب الذي يخنق أرواحهم؟ هل سمعت عن ملايين الأسر التي تتفكك يوميا، وعن أطفال يولدون بلا أب يُعرف، وعن نسبة الإدمان، والجرائم الأخلاقية التي تتم تحت غطاء الحرية على مدار الساعة؟

هل سمعت عن الشباب التائه الذي لا يعرف له هدفا في الحياة؟ وعن الكهول الذين ينتظرون الموت في دور العجزة بلا أنيس؟ وعن النساء اللاتي بعن كرامتهن في سوق الاستهلاك والجسد؟

هل شاهدت المهرجانات والنوادي التي تُعبد فيها الشهوات، ويُجهر فيها بما يُستحى منه حتى في الجاهلية؟ هل تأملت حالهم بعد أن أخرجوا الله من قلوبهم؟ كيف ضلوا الطريق، وراحوا يعبدون المادة والهوى؟ هل رأيت كيف تحولت الحضارة التي تبهر العيون، إلى قلوب خاوية، وأرواح تتآكل من الداخل؟

إنها حضارة بلا روح، وعمران بلا إنسان، وتقدم بلا قيم، وزينة تخفي وراءها أشباحا تتألم في صمت، فلا يغرك لمعانها، فإن وراءه ظلاما دامسا، ولا تبهرنك ابتساماتهم، فإن خلفها دموعا لا تُرى،

ولا تصدق أكذوبة السعادة الغربية، فالسعادة لا تُصنع بالموسيقى، والدنس، والفحش، ولا بالخمور، والمجون، ولا بالحرية المنفلتة.

السعادة هناك، حيث يعرف الإنسان ربه، ويسجد له، ويعيش لمعنى، ويعمل لغاية، ويحب بعفة، ويطمئن بإيمان.

الذي أبهرهم ليس ترك الدين، بل هو نظام حياتهم، وهو ناتج عن إدارة بشرية لا علاقة لها بجوهر الكفر أو الإلحاد.

ولو طبق المسلمون الإسلام بحق، لكانوا أكثر الناس نظاما وإنصافا ورحمة.

الإسلام ليس هو مجتمعك الذي قهرك، ولا الجهل الذي رأيته، ولا الفقر الذي سحقك.

الإسلام ليس هو القبيلة التي ظلمتك، ولا الجار الذي آذاك، ولا البيئة التي قتلت أحلامك.

الإسلام شيء آخر، أعلى وأطهر وأبقى.

الغرب ليس إلها يُعبد، وإن نجح في الصناعة والتكنولوجيا، لكنه فشل في أن يزرع الطمأنينة في الروح.

ولذلك تجدهم يبحثون عن اليوغا، وعن التأمل، وعن البوذية، وعن أي شيء، فقط كي يملأوا الفراغ الداخلي.

وما الفراغ؟ هو فقدان الإيمان.

الإسلام لم يمنعك من أن تكون ناجحا، أو متعلما، أو نظيفا، أو خلوقا، بل هو أول من قال: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه)، وهو حديث حسن بشواهده.

وهو أول من حث على النظافة، والصدق، والعدل، والرحمة، والتكاتف، والمحبة، والسلام.

لكنك وأمثالك تركتم دينكم، ثم احتقرتموه لأنه لم يُخرج لنا حضارة مادية تنافس الغرب، ونسيتم أن الخطأ ليس في النور، بل في من أغلقوا أعينهم عنه.

فالعجز عندك أنت أيها المرتد، وعند من حولك من أبناء المسلمين الذين لم ينفذوا قول الله تعالى: (ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش)، هلا التزمتم بدينكم وتركتم العجز ونافستم الغرب والشرق، فعمّرتم الأرض كما فعلوا، وشيدتم المصانع، ورفعتم ناطحات السحاب، وغزوتم الفضاء، وأنفقتم المليارات على البحوث والتكنولوجيا، وصناعة الأسلحة، وكل ما من شأنه أن يرفع مستواكم الحضاري المعاصر، فالعيب فيك وفي أمثالك، فردتك عن دينك هي دليل عجزك وضعفك، ولا علاقة لها بدين الله الحنيف.

إن الإسلام ليس هو مجتمعك، بل هو أعلى منه بكثير.

لا تحاكم الدين بظلم أهلك، ولا بفقرك وفقر بلدك، ولا بجفاء إمام مسجد الحي.

فربك لم يقل لك: كونوا مثاليين أولًا، بل قال: (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى).

ثم لا يمنع أن تجعل الغرب مدرسة تتعلم منها النظام،

لكن اجعل الإسلام نورا يضيء لك الطريق إلى الله.

خذ منهم ما ينفعك من أمور الدنيا، ولا تأخذ منهم ما يُطفئ نورك.

لقد أعطاك الإسلام الإيمان، والمعنى، والغاية، والطمأنينة،

وأعطاك الغرب الآلة، والانضباط، والإنتاج.

فما الذي يمنعك من الجمع بين الأمرين؟

عد إلى دينك، لا لتتخلى عن التقدم، بل لتجعله لهدف أصل الأهداف.

عد إلى ربك، لا لتبقى ضعيفا، بل لتستمد منه القوة.

عد، فالنور كان هنا دوما، لكنك كنت تنظر في الاتجاه الخاطئ.

اللهم يا هادي الحائرين، ويا راحم التائهين، ويا كاشف هم المضيعين، اللهم إن عبدك هذا قد ضل الطريق، وتاه في ظلمات الشبهات، وغرّته زخارف الدنيا، وأغوته ألسنة الباطل، اللهم إن قلبه بين يديك، وأنت أقرب إليه من نفسه، فاغمره بنورك، واغسل قلبه من صدأ الشك، وانزع من صدره وحشة الإلحاد، واملأ روحه يقينا بك، وسكونا إليك، وحنينا إلى رحمتك، اللهم إنك لا ترد من طرق بابك، ولا تخذل من قصد وجهك، وهو عبدك وإن جحد، وضعيفك وإن أنكر، فارحمه رحمة لا يشقى بعدها أبدا، واهد سمعه وبصره وفؤاده، ورده إليك ردا جميلا.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام