بل الإنسان على نفسه بصيرة
ضمن سلسلة مواعظ من القلب (حلقة رقم 29)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
عبارة تشق القلب شقا، وتكشف الغطاء عن أستار الخداع.
هي الكلمة التي تسكت المتكبر، وترد على المجادل، وتضع كل أحد أمام الحقيقة التي يعرفها ولا يحب أن يواجهها.
كلنا نحمل ذنوبا خلف ظهورنا، وكلنا نخفي أوجاعا لا يراها الناس، لكن بيننا وبين الله، نحن شهود على أنفسنا، وهو سبحانه لا تخفى عليه خافية.
فما أغبى من يخدع نفسه، وما أضل من يعاند فطرته، وما أضعف من ينكر ما يعلمه الله ويعلمه هو.
لا تعلل وتبرر وتعتذر، فمهما بررت، فأنت تعلم أنك مخطئ ومذنب، فلا تقنع الناس بعذرك وأنك صاحب قلب طيب وسريرة نظيفة وتخاف الله، وانظر إلى رب الناس الذي يعلم صدقك من كذبك، فمن صدق مع الله صدق مع الناس.
(بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره).
ربما تقول: لم أكن أقصد، وقد تزعم: الظروف قست، والنفس ضعفت، والشيطان أغواني، والناس جروني، لكن الحقيقة؟
أنت تعلم أنك قصرت، أنت تعلم أنك أذنبت، أنت تعلم أنك فرطت، بل تعلم موضع الزلل، وإن تهربت من الاعتراف، ولسنا ممن يطالبونك بالاعتراف، وإنما اعترف لنفسك، واستر أمرك، وارجع لربك.
كم من مرة هممت أن تتوب ثم أخرت؟ وكم وعدت الله ثم نقضت؟
قال العلماء: العبد يعلم إذا كان مقيمًا على معصية، يعلم ذلك من نفسه، وإن قال بلسانه ما قال.
تصلي، لكنك تماطل، وتصوم لكن لسانك منفلت، وترفع يدك بالدعاء، لكن في قلبك ظلمة الذنوب.
أخرج البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين).
تذنب، ثم تجاهر، ثم تبرر، ثم تلقي المعاذير.
لا تعتذر بكثرة الشهوات، فالجنة محفوفة بها، ولا تعتذر بصعوبة الطريق، فالنار محفوفة بالهوى.
قال الله تعالى: (يوم تُبلى السرائر، فما له من قوة ولا ناصر).
وقال تعالى: (ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا).
فلا تخادع نفسك، فقد تخدع الناس، لكنك لا تخدع الله.
لا تقل: أنا أفضل من غيري، فالله لا يسألك عن غيرك.
إن الله لا ينتظر منك أن تحسن صورتك أمام الناس، بل أن تصلح سريرتك بينك وبينه.
أخرج مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).
فطهر قلبك، وعد إلى ربك، وتذكر دوما: (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره).
اللهم طهر قلوبنا من الذنوب والمعاصي، واملأها بنور الإيمان والتقوى، ولا تجعل فينا شقيّا ولا محروما.
اللهم لا تجعلنا ممن يلقون المعاذير وهم يعلمون، ولا ممن خدعوا أنفسهم، وظنوا بك غير الحق ظن الجاهلية.
اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، واغسل قلوبنا من الذنوب كما يغسل الثوب الأبيض من الدنس، ووفقنا لتوبة نصوح ترضى بها عنا، ولا تمتنا إلا وقد رضيت عنا يا أرحم الراحمين.